Saturday, January 9, 2010

إميل حبيبي وطبيعة أعماله

إميل حبيبي وطبيعة أعماله
أولا ـ التعريف بالكاتب :
ولد في حيفا عام 1921، وأتم دراسته الثانوية فيها وفي عكا، واشتغل عامل بناء زمنا، ثم انتقل للعمل مذيعا بإذاعة القدس، واستقال منها ليعمل موظفا في معسكرات جيش الانتداب، ثم محررا في جريدة (الاتحاد)، وأصدر مجلة (المهماز) في حيفا عام 1946, وناضل نضالا متصلا ضد الاحتلال البريطاني، ثم ضد ممارسات الدولة الإسرائيلية بعد قيامها. واختاره المواطنون العرب ضمن من يمثلونهم في (الكنيست)، وبقي عضوا به حتى عام 1972 حيث قدم استقالته ليتفرغ للكتابة. وفي عام 1990، أهدته منظمة التحرير الفلسطينية (وسام القدس)، وهو أرفع وسام فلسطيني. وفي عام 1992 منحته إسرائيل (جائزة الإبداع)، فارتفعت الأصوات تطالبه برفضها، لكنه قبل الجائزة، ثم أعلن تبرعه بقيمتها المادية لجمعية (المقاصد الإسلامية) التي تتولى علاج جرحى الانتفاضة. وفي العام الأخير من حياته، انشغل بإصدار مجلة أدبية سماها (مشارف). رحل في مايو عام 1996، وأوصى أن تكتب على قبره هذه الكلمات: (باقٍ في حيفا).
أعماله:
ـ (سداسية الأيام الستة)، رواية نشرت عام 1968م
ـ (الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل) رواية نشرت عام 1974 م
ـ (لكع بن لكع) مسرحية نشرت عام 1980م
ـ (أخطية) رواية نشرت عام 1985 م
ـ (سرايا بنت الغول) رواية نشرت عام1991 م
جعلت تلك الأعمال القليلة صاحبها أحد أهم المبدعين العرب المؤثرين فى تاريخينا الأدبى المعاصر , فلا يذكر حديث عن الأدب العربى المعاصر إلا ويذكر اسم إميل حبيبى .
ومن أجل فض الاشتباك حول انتمائه للقضية الفلسطينية وهو المقيم فى إسرائيل , وعضو الكنست لابد من قراءة أعماله وفى النفس قناعة أنه يكتب من داخل الزنزانة الإسرائيلية ـ زنزانة الواقع الحياتى لعرب 1948م , ولعل هذه الزنزانة سبب ميله إلى الرمز والكناية والإيماء والإشارة , وبعده عن التصريح .


طبيعة أعمال إميل حبيبى

1ـ يعتمد إميل حبيبى على تقنية التوالد والتتابع وهى تقنية مأخوذة من حكايات ألف ليلة وليلة , ففى رواياته تتوالد من الحكاية الكبرى سلسلة من الحكايات الصغيرة التي يصعب علينا السيطرة على تشعبها الدلالي وانفتاحها على بعضها البعض, مشكلة شكلا هرميا لا يمكن حذف جزء منه .
حكاية تأخذنا إلى حكاية بحيث ينسى القارئ الحكاية الأولى , ويهيم فى عالم من الحكايات الشيقة كما فى رواية " المتشائل " ؛ الراوي يأخذنا من حكاية إلى حكاية حتى تتسع رقعة السرد, وتتضح الشخصيات، وتبرز المعانى، وتفك شفرة الرمز.

2ـ محاولة استنساخ شكل روائى جديد عن طريق تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية وغير سردية، مجتلبة من التراث العربي , كالحكايات الشعبية وأشكال السرد الشفوي, وكتب السير والتاريخ , وألف ليلة وليلة , والمقامات، فتكثر في نصوصه الروائية الأشعار المقتبسة , والحكايات الجذابة ,والمواد التاريخية , والطرائف , والأمثال التي تكشف عن المعنى الخفى / المغزى الكامن بين طيات الحكاية الأصلية التي يفتتح بها نصه الروائي.

3 ـ هدفه الأساسى توجيه القارئ إلى المأساة الفلسطينية , وصراع عرب 1948م من أجل البقاء مستغلا التعليقات , والحكايات الموازية , والاقتباسات الشعرية والنثرية.

4ـ بعثرة المقاطع ,فنصه الروائي يبدو مفككا مفتقدا مركزا وبؤرة , لكن بعد الانتهاء من عملية القراءة يبدو شديد التماسك،وفى ظنى أن الكاتب مال لهذه التقنية الفنية القديمة الجديدة فى آن ؛ لأنها تساعد على سرد الحكايات الموازية التى تغطى سطح عمله بغلالة من الرمز.

5ـ يعتمد إميل حبيبي فى أعماله على الاقتباس ورواية الأشعار , ووضع العناوين الكاشفة لشفرات النص, واللعب بالكلمات,والتلاعب بالصور البلاغية من تورية ,وجناس, وطباق, ومفارقات لفظية .

نخلص من هذا إلى أن أعمال إميل حبيبى كلها ذات بنية استطرادية تتوالد فيها الحكايات بعضها من بعض , كما تولد اللفظة من أختها في القصيدة الشعرية . وأن الغاية من توظيف التراث في رواياته هي تحطيم شكل الرواية التقليدية، ومحاولة تحديث الرواية العربية انطلاقا من التراث، لا من الرواية الغربية التي كانت سببا في جنوح الرواية العربية إلى الذهنية والواقعية.‏

ولكن على الرغم من أنه يبنى روايته على التراث لم يستسلم للتراث، ولم يسمح له بالهيمنة على النص الجديد، بل جعله وسيلة للتعبير عن الواقع .




"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل"

في روايته (المتشائل) ، لم يسلك إميل أيا من السبل المطروقة في الرواية العربية أو العالمية، بل أسس إبداعا جديدا يقوم على استلهام التراث الفلسطيني والعربي، من مقامة , وخبر , وحكايات, وأمثال , وأشعار , قام بصهرها في البنية السردية , مستعينا بحسن استخدام اللغة، والجرأة في التعامل معها، واللجوء إلى السخرية أو الفكاهة السوداء ـ إن هذا صح التعبيرـ , بغية تكوين شبكة سردية معقدة تدور حول شخصية " سعيد أبي النحس " , يبدو ظاهرها غير باطنها .
ويقوم إبداعه ـ أيضا ـ على التخلص من أسر الشكل الروائي التقليدي الذي يعيد محاكاة العالم الواقعي بشخوصه ومجريات أحداثه من خلال حبكة نعرف مقدما بدايتها ونهايتها, معتمدا أسلوب تمثيل العالم من خلال شخوص غير مكتملة، بل إنها تبدو رتوش لشخوص تعبر من خلال عدم اكتمالها عن الحقيقة السوداء الكابوسية التى يعيش داخلها الفلسطينيون المقيمون داخل إسرائيل .
لذا لم يكن عجيبا أن يقال : إن إميل حبيبى يدشن فى هذا العمل عمارة جديدة في الرواية العربية المعاصرة,ويفتح أفقا لتجديد حياة هذه الرواية, ويوسع لها مسالك لم تسلكها من قبل.

الرواية عبارة عن ثلاثة كتب : بطلها (سعيد) في (الكتاب الأول) مستعد لتقديم كل التنازلات كى يرضى عنه قادة جيش الاحتلال الصهيونى وأذنابهم. وفى (الكتاب الثاني) يحمل ابنه السلاح ضد الدولة الصهيونية الباطشة , ويقف هو ممزقًا في ازدواجية لعينة , وفي (الكتاب الثالث) ينتهي الأمر بسعيد إلى الانعزال عن الناس مع أنه تغير وأيقن أن تنازلاته لم تنفعه شيئا .

إن حياة "سعيد أبا النحس المتشائل" الذي يمزج في نظرته إلى الحياة بين التشاؤم والتفاؤل , ويغلب نظرة التفاؤل غير المبني على أسس يقينية على التشاؤم، شخصية يميط المؤلف من خلالها اللثام عن تجربة شعب انقسم نصفين: قسم داخل الوطن , وقسم خارجه. فهو رجل مستعد لدفع أي ثمن لسلطات الاحتلال الإسرائيلي مقابل البقاء في أرضه, حتى أنه أطلق على ابنه اسم "ولاء" تيمنا بولائه لإسرائيل لكن الولد لا يقتدي بأبيه، ويتطوع في العمل الفدائي ويجعل ولاءه لحركة المقاومة الفلسطينية.
ويصل ولاء المتشائل إلى ذروته خلال حرب 1967 ففى الوقت الذى وجهت فيه قوات الاحتلال عبر إذاعتها نداء لسكان الضفة الغربية للاستسلام ورفع رايات الطاعة يخرج إلى سطح بيته في حيفا (داخل إسرائيل ) ويرفع راية على عصا مكنسة , معلنا استسلامه وولاءه الذى لم يفتر حتى بعد استشهاد ابنه مع أمه, لكن مع هذه الدرجة القصوى من الولاء , أو ربما بسببها تحديدا تسارع السلطات الإسرائيلية إلى القبض عليه بتهمة إثارة البلبلة , وعدوا إعلان ولائه فى هذا الوقت محاولة لإثارة الآخرين .
وفى المعتقل الذى ظن أن وظيفته فيه ستكون التجسس على المعتقلين , يلتقي سعيد أبو النحس بسعيد آخر ـ واحد من مقاتلي المقاومة الفلسطينية ـ ظن السجانون بسب حميمية اللقاء , ـ وهى حميمية طبيعية يستقبل بها المقاومون فى السجن كل وافد فلسطينى جديد ـ أن المتشائل واحد من رفاق درب المقاومة , فيضرب ويهان ويعامل أسوأ معاملة , وبعد خروجه من السجن يشعر بكرامته ويجد نفسه غير قادر على التعاون مع الأعداء , وفى ذات الوقت غير قادر على الاندماج مع الناس .

إن لغة الرواية المفعمة بالأمثال الشعبية الفلسطينية , والأشعار , والتهكم والاستهزاء , والتلاعب بالألفاظ جاءت ملائمة لمنطوق الشخصية الساذجة , وهى لغة لا نرى فيها نبرة حادة للتنديد بالاحتلال , وتمجيد المقاومة , لكن ذلك يتحقق من خلال المفارقات الأسلوبية , والتهكم والاستهزاء . يقول عن السجانين الإسرائليين : "رأيتني واقفاً في وسط حلقة من السجانين العراض الطوال، كل سجان بعينين ناعستين اثنتين، وبساعدين مشمرتين، وبفخذين غليظتين اثنتين، وبفم واحد مفتر عن ابتسامة كشراء كأنما صبت جميعها في قالب واحد".‏ من خلال هذا التهكم المضحك يمكن أن يستشف القارىء موقف حبيبى من اليهود , وموقفه من الانتفاضة .


إن الرواية كما تؤكد سقوط صيغة (المتكيف) أو (مزدوج الولاء داخل إسرائيل)، وصعود صيغة (الفدائي) الذي يحمل السلاح في وجه الدولة الغاصبة, تؤكد ـ أيضا ـ أن فلسطين الوطن - أو بعض أجزائها - ربما قد اختفت من الخريطة ولكنها باقية حية في كل موقع باستثناء الخريطة, و أن هوية أبنائها ليست بحاجة إلى إحياء أو برهنة حقيقية , وأن الفلسطينى سواء رفع الرايات البيض أو لم يرفعها سوف تتم معاقبته مرارا و تكرارا.